الهيمنة السعودية… بداية نهاية الربيع العربي؟

بقلم يوسف آيت بناصر – 12 حزيران 2011

الملك عبد الله بن عبد العزيز

أُريد في هذا المقال العودة على حادثة مرّت عليها الصحافة العالمية مرور الكرام،  و القيام بتحليلها في ظلّ مقارنة تاريخية قد تبدو عبثية في البدء، إلا أنها تساعدنا في الواقع على قراءة التحولات المتتالية التي تعرفها الخارطة السياسية و الجيوستراتيجية في العالم العربي

دعوة طبيعية

في شهر مايو المنصرم انعقدت في الرياض قمة تشاورية لمجلس التعاون الخليجي، بحضور قادة الدول الست الأعضاء. أهم قرار خرج به هذا الاجتماع، كان إعلان الأمين العام للمجلس، السيد الزياني، عن قبول الطلب الأردني للانضمام من جهة، و التقدم بدعوة للمملكة المغربية للالتحاق بهذا التكتل الجهوي. أما الأردن فاستقبل الخبر بنوع من الارتياح، خاصة و أن المملكة الهاشمية ما فتأت تطمح لذلك. و أما المغرب فقد لقي الخبر بنوع من الحذر، مذكراً بأن انتماءه الطبيعي هو ضمن المغرب العربي الذي يشكل “الخيار الاستراتيجي للأمة المغربية” حسب عبارة وزير الخارجية

تنظيمياً و قانونياً، ليس هناك ما يعرقل انضمام المملكتين إلى مجلس التعاون الخليجي و ذلك بالنظر إلى معطيين اثنين. من الناحية الأولى، فإن القانون الداخلي للمجلس، أي الوثيقة المؤسِسة له، لا تحمل أي بند يحدد شروط الانضمام، بل و أكثر من ذلك لا تحمل هذه الوثيقة في مدخلها أي إشارة قد تحد عمل المجلس في المنطقة الخليجية أو تؤكد على هوية جهوية خاصة به. و من الناحية الثانية، لا تتنافى عضوية هذا التنظيم مع عضوية تنظيمات جهوية أخرى، و بالتالي، لا تَنافي بين العمق الأوروبي للمغرب مثلا (و “وضعه المتقدم” داخل الاتحاد) و الالتحاق المحتمل بمجلس التعاون. و من خلال هذين العنصرين، فإن قرار منح العضوية للملكتين المغربية و الأردنية أمر طبيعيّ لا يخالف أياً من قواعد اللعبة في الخليج. بلّ و أكثر من ذلك، إنّه أمرٌ مستحسن حيث يعترف أخيراً بحقيقة تركيب ما درجنا على تسميته “العالم العربي” و هو في الواقع عالمين، عالم ملكيات تتوارث فيها السلطة و تمتاز بنفس المقومات، و عالم جمهوريات ثورية متشابهةِ الأُسُس.
فلماذا ينبغي التوقف عند هذا الحدث إذاً؟

التاريخ يعيد نفسه

التوقيت. لعلّ هذا العنصر هو ما يعطي هذا الخبر أهميته. فمن خلال هذه المبادرة تظهر المملكة العربية السعودية قرارها التحول إلى ما يمكن تسميته “دَرَكِي” المنطقة. فإذا كانت المملكة تمارس ذلك من قبل في تخفٍ، بتعاون مثمر مع حليفتها القاهرة، فهي اليوم تميط اللثام بشكل تام عن توجهها نحو إرساء نظام إقليمي يتماشى و مصالحها القومية

لقد قارن بعض المحللون بين الوضع الراهن و مؤتمر فيينا في 1815.عندما كانت أوربا تعيش مخاضاً ثورياً عسيراً في القرن التاسع عاشر، و مع تضاعف مطالب التغيير من طرف الليبراليين و القوميين، برزت امبراطورية النمسا و المجر في شخص ميترنيك كصمام أمان و معقل مناهض للتغيير، فبادرت فيينا إلى إسكات كل صوت ارتفع و كل شعب انتفض، و أخمدت حريق الثورات و حافظت على بريق الملكيات، و هي قصة يعرفها الجميع… أما القصة التي نتجاهلها فهي أوجه الشبه المتعددة بين نمسا ميترنيك بالأمس، و مملكة آل سعود اليوم. و كما أن النمسا و المجر أسست “الحلف المقدس” الذي أطال في عمر الاستبداد في أوروبا لِما لا يقل عن نصف القرن، فإن الرياض شرعت تحول مجلس التعاون الخليجي إلى مستوصف للعناية المركزة لفائدة الأنظمة المتلاشية

نحو نظام”باكس ساوديانا”؟

ربما تكون الرياض فيينا الأمس، لكنها بالإضافة إلى ذلك أصبحت واشنطن الشرق. إن هذه الجرأة الجديدة التي تتسم بها السياسة السعودية منذ بداية ربيع الثورات العربية تعكس بداية مرحلة جديدة في ميزان القوى في المنطقة. إنها أولاً و قبل كل شيء ردة فعل على الموقف الأمريكي إزاء الظرف الشرق الأوسطي. إنّها ربّما أول مرّة تدخل فيها المصالح السعودية و الأمريكية في تناقض واضح منذ أزمة سيناء في 1973. تناقض سينعكس لا محالة على اللعبة الجيوستراتيجية ككل في الشرق الأوسط. فإن الرياض أدركت نهاية باكس اميريكانا كما كانت ممارسة في السابق، حيث تخلت واشنطن في لمح البصر عن حلفاءها التقليديين في المنطقة في شخص حسني مبارك، واصطفت إلى جانب الشارع العربي. كان هذا التحالف القوي مبنياً على تشارك في وجهات النظر و المصالح، و مع ذلك فإن البيت الأبيض فضّل نهج سياسة التأقلم مع الظرف و الميول في الاتجاه الذي تأتي منه الريح، الأمر الذي أثار امتعاض الرياض. و هو ما دفع بالمملكة إلى الأخذ بزمام الأمور و تسطير ما يمكننا تسميته “باكس ساوديانا” وفق مصالح الأنظمة المحافظة في المنطقة، و اعتماداً على القدرات الذاتية للدول الأعضاء، شعارها أن لا مَلكية ستسقط و أن لا ثورة ستنجح. فسقوط أية مَلكية سيؤدي إلى توالي قطع الدومينو في السقوط، و نجاح أي ثورة سيجعل منها مثال تحتذي به الشعوب الأخرى و هو ما لا يخدم مصالح المملكات العربية أكانت في أقصى الجزيرة أو على مشارف المحيط الأطلسي

إن هذه السياسة السعودية الجريئة تتوفر على حظوظ كبيرة في النجاح. فها هي الثورة البحرينية لفظت أنفاسها الأخيرة بعد تدخل ذرع الجزيرة، و ها هي الثورة المصرية تنطفئ بعد الدعم المالي الذي قدمته الرياض للمجلس الانتقالي، و ها هو المغرب بدأ يلجأ إلى تعنيف المتظاهرين بعد أن انطلقت مفاوضات انضمامه إلى المجلس… و تلك الأيام الحوامل ستأتي بالمزيد و تثبت لنا نجاعة “باكس ساوديانا” أو فشلها. و يبقى الأكيد أنها و إن نجحت في تحييد الثورات خلال الفترة القادمة، فإنها لن تعود أبداً بالمنطقة إلى ما قبل الرابع عشر من كانون الثاني/يناير. فإن التاريخ و كما رأينا قد يعيد نفسه، إلا أنه لا و لن يعود إلى الوراء

Advertisements

Leave a comment

Filed under Arab Spring, Foreign Policy & IR, Gulf states, Morocco, Saudi Arabia, عربي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s