كبش المحرقة

بقلم أسامة حريري – ٢٧ آب ٢٠١١

شهدت الأيّام الأخيرة سلسلة أحداث هزّت منطقة الشّرق الأوسط وأعلنت بداية سيناريو جديد. للوهلة الأولى ، قد تبدو هذه الأحداث عشوائيّة وغير مترابطة. لكن قي الواقع هي متّصلة ببعضها البعض وهدفها واحد. أماّ السّؤال الأبرز الذي يهمّنا هو : من هو المستفيد من هذه الفوضى المنظّمة ؟ ولماذا هذا التوقيت بالذات ؟ من الواضح جدّا ً اليوم أنّ أبرز الأزمات وأكثرها تعقيدا ً هي الأزمة التي تشهدها سوريا نظرا ً لموقعها الإستراتيجي بين العراق وتركيا ولبنان و إسرائيل. الأزمة في سوريا لم تعد تقتصر على نظام ٍ مستبدّ يقتل شعبه يوميا ً ، بل أيضا ً على لعبة دول ٍ كُبرى تتصارع في ما بينها . أحد أوجه هذا الصّراع هو إيراني –أميركي.

فإيران اليوم مستعدّة للقيام بأي مخاطرة لتُنقذ نظام الأسد حليفها الأوّل . وتجدر الإشارة هنا أنّ نظام آية الله على الأرض يساعد النظام السوري عسكريّا ً و مادّيا ً خصوصا ً بعد العقوبات التي طالت قطاع النفط في سوريا. أمّا بخصوص الموقف الأميركي ، فما زال متردّدا ً يحسب الإحتمالات بتأنّ ٍ خوفا ً من تداعيات ٍ خطرة. ففي نفس الوقت ، تريد الولايات المتّحدة رحيل الأسد لأنّه حليف لإيران و تريد بقائه لأنّه في بعض الأحيان يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل.

دعونا الآن ننتقل الى الأحداث التي جرت في الأيّام الأخيرة: فمنذ ثلاثة أيّام في 18 آب هزّت إسرائيل سلسلة هجومات على الحدود مع مصر راح ضحيّتها ثمانية قتلى والعديد من الجرحى. دعونا لا ندخل في تفاصيل الحادث لنطرح السّؤال التّالي : هل كانت هذه الهجمات لمصلحة القضيّة الفلسطينيّة ؟  بالطّبع لا . فهذه الهجومات بحدّ ذاتها ناجمة عن غباء سياسي خصوصا ً في هذا الوقت بالذات. فالسّلطة الفلسطينيّة اليوم تحاول جاهدة ً لتجعل  دولة فلسطين عضو دائم في الأمم المتّحدة و قد يؤثّر هذا العمل سلبيا ً على القرارات المستقبليّة للأمم المتّحدة. ويُعتبر هذا الإعتداء ضربة سياسيّة قويّة للسّلطة الفلسطينيّة التي رغم جهودها لا تستطيع أن تُسيطر على كلّ التنظيمات المُخترقة من قِبل أجهزة مخابرات دوليّة.  أمّا الغريب في هذا الموضوع هو أنّ حركة حماس لم تتبنّ العمليّة .  من الواضح إذن ، أنّ هكذا عمل أتى من خارج الحدود الفلسطينيّة ، فكما سبق وقلنا ، لا مصلحة للفلسطينيّين بهذا الحدث خصوصا ً بعد المصالحة بين حماس والسّلطة والتّهدئة المؤقّتة. يمكننا حتّى ان نقول أنّ هذا العمل كان لمصلحة إسرائيل التي ردّت مباشرة ً  وهاجمت قطاع غزّة ، بالإضافة الى قتل جنديّيين مصريّيين علما ً أنّ مصر لا دخل لها بما جرى فهي أصلا ً غارقة بما يكفيها من مشاكل داخليّة . وللسّخرية ، كان هذا الهجوم خدمة ً لحكومة نتانياهو التي واجهت احتجاجات لا سابق لها. ومن المعلوم أنّ إسرائيل  تتّحد وقت الحروب والهجمات. فمن هو المستفيد الرّئيس في هذه الحالة ؟ ومن هو الذي يواجه أزمة مميتة ويريد أن يوجّه رسائله السياسية لزعزعة أمن المنطقة ورفع الأنظار عنه ؟؟

منذ أربعة أيّام في 17 آب ، لقى تسعة جنود ٍ أتراك مصرعهم إثر هجوم نفّذه حزب العمّال الكردستاني المتمركز شمال العراق. فورا ً ردّت السّلطات التّركيّة بغارات جويّة وقصفت 85 موقعا ً لحزب العمّال .    في هذا الصّدد ، يجدر الذّكر أنّ الأكراد لطالما اسُتعملوا لتصفية بعض الحسابات بين دول ٍ كإيران والعراق حيث كانت إيران تُحرك الأكراد في العراق أيّام الشّاه و بدورها العراق كانت تقوم بالمثل وتستخدم أكراد إيران. أمّا اليوم ومع ضعف الدّولة العراقيّة أصبح الأكراد تحت رحمة النّظام السوري والإيراني  وبالطّبع التركي الذي ارتكب مجازر عديدة بحقّهم تحت شعار محاربة الإرهاب. فما الذي حرّك حزب العمّال الكردستاني في هذا الوقت بالذّات ؟ ومن هو المستفيد ؟؟

شاهدنا منذ أيّام قليلة مقتدى الصّدر زعيم المعارضة العراقيّة المقرّب من إيران يُحذّر سلطات الإحتلال الأميركي من هجومات محتملة إذا ما طال بقائهم في العراق. هذا التّصعيد رافقه تصعيد آخر بوجه السلطات العراقيّة التي تخشى أن يمتدّ النفوذ الإيراني أكثر بعد رحيل القوات الأميركيّة.  من هو الذي لطالما كانت حدوده ممرّا ً للمقاتلين المتّجهين للعراق و في بعض الأحيان مصيدة ً لهم ؟ من هو المستفبد من التّصعيد ليُنقظ نظام حكمه من الغرق ؟؟

إنتقالا ً الى لبنان حيث وجّه الرّئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي رسالة الى نظيره اللبناني ميشال سليمان و الى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ، جاء فيها أنّ فرنسا قد تُعيد النّظر في مشاركتها في القوّة المؤقّتة للأمم المتحدة في لبنان إذا ما تعرّضت قوّاتها لإعتداء مماثل للذي استهدف جنودها الشّهر الماضي. من هو المستفيد من رحيل اليونيفيل من لبنان  ومن زعزعة أمنه ؟؟

من الصّدفة الغريبة أن كلّ الدول التي سبق وذكرناها والتي شهدت أحداثا ً مقلقة في أقل من أسبوع لها حدود مُشتركة مع سوريا ومن المُضحك موقف أوباما الذي طالب الأسد بالتّنحّي لكنّه شدّد على أهميّة بقاء السفير الأميركي في دمشق في حين قامت بعض الدول العربية باستدعاء سفرائها. فما زال نظام البعث حتّى اليوم يُفزع دولا ً غربية تخشى أن تقطع شعرة معاوية مع نظام ٍ لا يريد التّفاوض سوى بمزيد ٍ من القتل.

إنّ هدف كلّ ما أتى من أسئلة وفرضيّات هو فهم الوضع الحالي وربط المسائل ببعضها . لكنّ الأمر الأكيد الذي لا شكّ فيه هو أنّ الدول تلعب لعبتها فيما تذهب الشعوب من فلسطينيين و لبنانيين وعراقيين و أكراد ، أكباش محرقة ٍ.

Advertisements

1 Comment

Filed under Foreign Policy & IR, Iran, Lebanon & Syria, Palestine & Israel, Turkey, عربي

One response to “كبش المحرقة

  1. mhaddir

    أعجبتني مقالتك، وكنت أريد تعليق بها. بالتكيد العرب والأكراد يتحملون المحرقة حالياً بشكل غير معقول ولكنني صرت منزعج من أصواتنا المكتومة ومؤسساتنا الفاسدة التي تقول إلينا إنها ترغب في فائدتنا وبالحقيقة لا تعمل شيء مفيد لنا، كما كتبتَ فوقاً. ولكنك تسأل من هو المستفيد – أليس واضح؟ بعد السلام لن يستمر حماس يستبد غرة كما تريد. بلا العدو الإسرائيلي لا سبب لأسلحة حزب الله. حينُ توحيدِ الشعب التركي الكردي حينُ تساؤل عن الحكومة الممركزة.
    لا أحب إظلام إسرائيل وإحتلاله القاسي، بل السلطة الغربية والإقليمية التي تحبس أعظم الشعب حتى تقع منها نقدة، ولكنه ليس لدي ثقة للمعارضة ألتي تصرخ ولا تمشي. كل اللاعبين في هالأزمات لا يريد التغير. شعوب المنطقة تريد التغير كما رأينا من مصر وتونس إلى سوريا واليمن وليبيا، حتى ذلك الدول “الديمقراطية” مثل إسرائيل والعراق والأردن ولبنان حيث يرفع نفد صبرهم مع الفاسدين المستفيدين بعدم الإستقرار. فالمحرقة ليست إلا رمز يستخدمه مضادّين لعرب غاضبين ويهود مرتبكين وغربيين جاهلين وخائفين.
    إن شاء الله إنقلاب المنطقة سيعدّل الجنون.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s